الشيخ محمد هادي معرفة
43
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
ما لم يحيطوا به علما ، وسمّى تركهم التعمّق فيما لم يكلّفهم البحث عن كنهه رسوخا ، فاقتصِرْ على ذلك ، ولا تقدّر عظمة اللّه سبحانه على قدر عقلك ، فتكون من الهالكين » « 1 » . هذه الخطبة من جلائل الخُطب وأعلاها سندا ، فلا مَغمَز في صحّة إسنادها ، وإنّما الكلام في فحوى المراد منها . وقد أجمع شرّاح النهج « 2 » على أنّ مراده عليه السلام بهذا الكلام هو الصفات ، وأنّ صفاته تعالى إنّما يجب التعبّد بها والتوقّف فيها دون الولوج في معرفة كنهها ؛ إذ لا سبيل إلى معرفة حقيقة الصفات ، كما لا سبيل إلى معرفة حقيقة الذات . حيث قوله عليه السلام : « فما دلّك القرآن من صفته فائْتَمّ به ، وما كلّفك الشيطان علمه ممّا ليس في الكتاب عليك فرضه » . إذ من وظيفتنا أن نصفه تعالى بما وصف به نفسه في كلامه : سميع بصير ، حكيم عليم ، حيّ قيّوم . . . ولم نكلّف الولوج في معرفة حقائق هذه الصفات منسوبة إلى اللّه تعالى ؛ إذ ضربت دون معرفتها السُّدَد والحُجُب ، فلا سبيل إلى بلوغها ؛ فيجب التوقّف دونها . إذن فلا مساس لكلامه عليه السلام هنا ، مع متشابهات الآيات التي لا ينبغي الجهل بها للراسخين في العلم ؛ حيث تحلّيهم بحلية العلم ، هي التي مكّنتهم من معرفة التنزيل والتأويل جميعا . نعم ، لا نتحاشا القول بأنّهم في بدء مجابهتهم للمتشابهات يقفون لديها ، وقفة المتأمّل فيها ؛ حيث المتشابه متشابه على الجميع على سواء ، لولا أنّهم بفضل جهودهم في سبيل كشفها وإرجاعها إلى محكمات الآيات صاروا يعرفونها في نهاية المطاف . فعجزهم البادئ كان من فضل رسوخهم في العلم ، بأنّ المتشابه كلام صادر ممّن صدر عنه المحكم ، فزادت رغبتهم في معرفتها بالتأمّل فيها والاستمداد من اللّه في العلم بها ، ومَن جدّ في أمر وجده بعون اللّه .
--> ( 1 ) - . نهج البلاغة ، الخطبة رقم 91 ؛ بحار الأنوار ، ج 4 ، ص 277 . ( 2 ) - . راجع : منهاج البراعة للراونديّ ، ج 1 ، ص 382 ؛ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ، ج 6 ، ص 404 ؛ شرح نهج البلاغة لابن ميثم البحرانيّ ، ج 2 ، ص 330 ، شرح الخطبة ؛ منهاج البراعة للخوئيّ ، ج 6 ، ص 310 .